علي بن محمد البغدادي الماوردي
217
أدب الدنيا والدين
ذلك ستره عن إذاعة يستطيل لها وإخفاؤه عن إشاعة يستدل بها . قال بعض الحكماء : إذا اصطنعت المعروف فاستره وإذا صنع إليك فانشره ولقد قال دعبل الخزاعي : إذا انتقموا أعلنوا أمرهم * وإن أنعموا أنعموا باكتتام يقوم القعود إذا أقبلوا * وتقعد هيبتهم بالقيام على أن ستر المعروف من أقوى أسباب ظهوره وأبلغ دواعي نشره لما جبلت عليه النفوس من إظهار ما خفي وإعلان ما كنتم . وقال سهل بن هارون : خلّ إذا جئته يوما لتسأله * أعطاك ما ملكت كفاه واعتذرا يخفي صنائعه واللّه يظهرها * ان الجمال إذا أخفيته ظهرا ومن شروط المعروف تصغيره عن أن يراه مستكبرا وتقليله عن أن يكون مستكثرا لئلا يصير به مدلا بطرا ومستطيلا أشرا . وقال العباس بن عبد المطلب رضي اللّه عنه : لا يتم المعروف إلّا بثلاث خصال تعجيله وتصغيره وستره فإذا عجلته هنأته « 1 » وإذا صغرته عظمته وإذا سترته أتمته . وقال بعض الشعراء : زاد معروفك عندي عظما * أنه عندك مستور حقير وتناسيت كأن لم تأته * وهو عند الناس مشهور خطير ومن شروط المعروف مجانبة الامتنان به وترك الإعجاب بفعله لما فيهما من إسقاط الشكر وإحباط الأجر . فقد روي عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « إياكم والامتنان بالمعروف فإنه يبطل الشكر ويمحق الأجر » ثم تلا : « لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى » . وسمع ابن سيرين رجلا يقول لرجل : فعلت إليك وفعلت . فقال ابن سيرين اسكت فلا خير في المعروف إذا أحصى . وقال بعض الحكماء : المن مفسدة الصنيعة . وقال بعض الأدباء : كدر معروفا امتنان وضيع حسبا امتهان . وقد قال بعض البلغاء : من منّ بمعروفه
--> ( 1 ) هنأته : أي صيرته هنيئا ، وهو كل أمر أتى بلا تعب .